مقالات

صبري موسى يكتب: غياب المجالس المحلية… الدولة بلا عين في الشارع

لا تُقاس قوة الدولة فقط بما تمتلكه من مؤسسات مركزية، بل بقدرتها على رؤية ما يحدث في الشارع قبل أن يتحول إلى أزمة. ومن هنا، يصبح غياب المجالس المحلية المنتخبة أحد أخطر الفجوات الإدارية والسياسية التي تعاني منها الدولة المصرية اليوم.

فالمجالس المحلية لم تكن يومًا كيانًا شكليًا، بل كانت العين الرقابية الأقرب إلى المواطن، والوسيط الطبيعي بين الشارع والسلطة التنفيذية، وأداة مبكرة لاكتشاف الخلل قبل تضخمه.

حين يغيب الرقيب المحلي

منذ سنوات، تعيش المحافظات المصرية – ومن بينها محافظة المنوفية – واقعًا إداريًا يفتقد حلقة الوصل الأهم بين المواطن والجهاز التنفيذي.

وقد أدى غياب المجالس المحلية إلى:

– ضعف الرقابة الشعبية على أداء الوحدات المحلية.

– تراكم مشكلات يومية دون حلول جذرية.

– اتساع الفجوة بين المواطن ومتخذ القرار.

-،تحميل الأجهزة التنفيذية أعباءً رقابية ليست من صميم دورها.

والنتيجة: أزمات تُدار بردّ الفعل بدلًا من المنع المسبق.

المنوفية… محافظة واعية بلا منصة تمثيل

تُعد محافظة المنوفية من أكثر المحافظات وعيًا وتنظيمًا، وتضم كوادر مجتمعية قادرة على العطاء والمشاركة.

لكن في ظل غياب المجالس المحلية:

– لا يجد المواطن منصة مؤسسية يطرح من خلالها شكواه.

– تتحول المطالب المشروعة إلى تذمر صامت أو ضغط غير منظم.

– تتكرر المشكلات نفسها: طرق، مرافق، بناء، نظافة، تعديات… دون محاسبة حقيقية أو متابعة مستمرة.

وليس الخلل في غياب الجهود، بل في غياب الآلية المنتخبة القادرة على المتابعة والمساءلة اليومية.

الإدارة بلا مشاركة… عبء على الدولة

الدولة التي تعمل وحدها، دون مشاركة شعبية منظمة، تُرهق نفسها بنفسها.

والمجالس المحلية ليست خصمًا من هيبة الدولة، بل إحدى أدوات حمايتها، لأنها:

– تراقب دون صدام.

– تنقل الواقع دون تزييف.

– تحاسب داخل الإطار المؤسسي، لا عبر الفوضى.

وغيابها يخلق فراغًا رقابيًا لا يعوضه قرار مركزي، مهما بلغت دقته.

قانون المحليات… ضرورة لا تحتمل التأجيل

إصدار قانون الإدارة المحلية وإجراء انتخابات محلية لم يعد ترفًا تشريعيًا، بل ضرورة وطنية عاجلة، خاصة في محافظات كثيفة القرى مثل المنوفية، حيث التفاصيل اليومية هي جوهر المشكلة.

نحن بحاجة إلى:

– مجالس محلية منتخبة بصلاحيات حقيقية.

– تمكين رقابي لا شكلي.

– كوادر مدربة تمثل الناس، لا تتحدث باسمهم فقط.

– ربط المحليات برؤية الدولة للتنمية المستدامة.

كلمة أخيرة

أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو أن تفقد عينها في الشارع.

والمجالس المحلية هي تلك العين، وذلك الميزان، وتلك المساحة الآمنة بين المواطن والدولة.

إن إعادة المحليات ليست مطلبًا فئويًا، بل ضرورة لحماية الاستقرار، وتحسين الخدمات، وترسيخ الثقة.

الدولة القوية لا تخشى الرقابة… بل تبني بها جمهوريتها.

* كاتب المقال: عضو نموذج محاكاة مجلس الشيوخ .

 

Follow us on Google News Button

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى